عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

156

اللباب في علوم الكتاب

عن أبي جعفر [ وتقدم معنى « الهزء » في أول السورة ] « 1 » . وقال الثعلبي في تفسيره : قرىء : « هزؤّا » و « كفؤّا » مثقلات ومهموزات ، وهي قراءة أبي عمرو وأهل « الشام » و « الحجاز » واختار الكسائي ، وأبو عبيد ، وأبو حاتم « هزوّا » و « كفوّا » مثقلات بغير همز قال : وكلّها لغات صحيحة فصيحة معناها : الاستهزاء . فصل في الباعث على تعجبهم القوم إنما قالوا ذلك ؛ لأنهم لما طلبوا من موسى - عليه الصلاة والسّلام - تعيين القاتل ، فقال موسى عليه الصّلاة والسلام : اذبحوا بقرة فلم يفرقوا ، وبين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه - عليه الصّلاة والسّلام - يداعبهم ؛ لأنه من المحتمل أن يكون - عليه الصّلاة والسّلام - أمرهم بذبح البقرة ، ولم يعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ، وضربوا القتيل ببعضها يصير حيا ، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ويحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - بيّن لهم كيفية الحال إلّا أنهم تعجّبوا من [ أن ] « 2 » القتيل كيف يصير حيّا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة ، وظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء . نقل القرطبي عن الماورديّ قال : « وإنما أمروا - واللّه أعلم - بذبح بقرة دون غيرها ؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهوّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه ، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته » . وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة ، وليس بعلّة في جواب السّائل ، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حيّ ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها . فصل في بيان هل كفر قوم موسى بسؤالهم ذلك ؟ قال بعضهم : إن أولئك الأقوام كفروا بقولهم لموسى عليه الصلاة والسلام : أتتخذنا هزوا ، لأنهم إن قالوا لموسى ذلك لأنهم شكّوا في قدرة اللّه - تعالى - على إحياء الميت فهو كفر ، وإن شكّوا في ذلك أن الذي أمرهم به موسى - عليه الصلاة والسلام - هل هو بأمر اللّه ، فقد جوّزوا الخيانة على موسى - عليه الصّلاة والسّلام - في الوحي ، وذلك أيضا كفر ، ومن الناس من [ قال ] « 3 » : إنه لا يوجب الكفر لوجهين : الأول : أن المداعبة على الأنبياء جائزة ، فلعلهم ظنوا أنه - عليه الصّلاة والسّلام - يداعبهم مداعبة حقّه ، وذلك لا يوجب الكفر . والثاني : أن معنى قوله : « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » أي : ما أعجب هذا الجواب ، كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء . قوله : « أَعُوذُ بِاللَّهِ » تقدم إعرابه في الاستعاذة .

--> ( 1 ) في أ : قراءة حفص عن عاصم . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : يقول .